مقال" علم الحديث واستكمال النهضة  "

مقال" علم الحديث واستكمال النهضة  "

26/08/2018 - عدد مرات القراءة 524

                             علم الحديث واستكمال النهضة     
 
في معرض حديثه عن ابن خلدون وكتابه " المقدمة" بيّن الدكتور علي الوردي في كتابه :" منطق ابن خلدون" سياق الإبداع الخلدوني وسحر مقدمته, ومدى اعتماد ابن خلدون على من سبقه من الأئمة والعلماء في تأسيس نظريته في علم الاجتماع, وقد بين أن ما قدمه ابن خلدون هو تتويج للنهضة الإسلامية التي سبقت وجوده, وإنما أوجب له هذا التميز ما لديه من استعدادات شخصية وما تهيأ له من الظروف, إلا أنه قدم ملاحظة مهمة تتعلق بتطور الدراسات الاجتماعية, وأنها انتهت بانتهاء مقدمة ابن خلدون, فلم يعد للمقدمة ذكر عند أحد إلا ما كان في القرن الماضي بعد تطور هذا العلم في أوروبا ثم دخولها على سبيل " الموضة" إلى البلاد العربية والإسلامية, حيث رأى الدكتور علي الوردي أن هذا إنما كان بسبب الضعف الذي اكتنف الأمة بحيث إن النهضة ومنتجاتها لم تستكمل تطورها ولم تجد من يعمل بأسبابها, فطوى الزمان صفحة المقدمة, وإن كان هذا ينطبق على تاريخ هذا الكتاب وسياق النهضة التي أنتجته, إلا أن له أسبابا موضوعية قد ترد على كل نهضة وكل علم, وإنما يبحث في هذه الأسباب لتفادي الوقوع فيها, وأصل ذلك إدراك حاجة الأمة للنهضة من خلال استثمار العلوم سواء علوم الهوية أعني العلوم الشرعية, أو العلوم الإنسانية.
  • النهضة الحديثية وسياقها التأريخي :
شهد القرن التاسع عشر نهضة علمية, قد أَذن الزمان بها وكشفت عن وجهها الأيام, وقد مثلت نزعة الإصلاح أساس تلك النهضة, وأصل ذلك ما ينشأ من علاقة بين علوم الوحي وبعث الروح في الأمة من جديد؛ لتقف على مطالب الواقع الجديد وتنفض عن نفسها غبار الأيام الذي حال بينها وبين روحها وريادتها وقيادتها للبشرية, وعليه؛ فإن أول معاني الإصلاح وأول متطلباته إحياء النصوص الأصلية –أعني الوحيين- والكشف عن سعة معانيها اعتبارا بأصل التنزيل, وغاية البعثة, حيث تذهب هذه العملية بكثير مما يعرض للنصوص في محل الاستدلال بها, كما تذهب بكثير من العوارض من جمود وتقليد, وقد اتخذ ذلك الجيل من المصلحين وسائل شتى لتحقيق المسألة الحضارية, من أهمها طباعة كتب السلف ؛ كالتفسير وكتب الحديث ككتب السنن والجوامع والمسانيد وغيرها, كل ذلك لتسهيل عملية الاستدلال والإجابة عن النوازل والمستجدات, ومن رحم هذهالحركة العلمية خرج عدد من العلماء النابهين, كان لهم أسهامة كبيرة في الحركة العلمية, حيث شكلت أعمالهم رافدا للنهضة واستكمالا لانبعاثها, ومن هؤلاء العلماء الذين كانت لهم أسهامة مهمة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله- حيث يعد الشيخ من أبرز العلماء المتأخرين ومن أكثرهم انشغالا بعلم الحديث, حتى بلغ فيه مرتبة الإمامة, وكان عليه المعول في التصحيح والتضعيف, وقد بلغت مصنفاته في هذا الباب مبلغا لا يستطاع كثرة وحسن تأليف وجودة نظر, وفي سيرته ما يدل على تفرده فرحمه الله رحمة واسعة وسائر علمائنا ومشايخنا, وجزاهم عنا خير الجزاء وأوفاه.
  • نزعة التجديد عند الشيخ الألباني –رحمه الله-
وعند الكلام عن نزعة التجديد عند الشيخ الألباني –رحمه الله- وأثرها في مسلكه الحديثي, إنما نتكلم عن مقدار ما له من تميز أوجبته صفات شخصية وأخرى نفسية, وإلا فإن روح الاجتماع هي التي تحكم البيئة وهي التي تصنع, ومن رحم هذه الروح يخرج الأفراد, وقد تقدم أن نزعة التجديد كانت حاجة واقعية أملاها الواقع وتصدى لها عدد من رموز الفكر والعلم في أوائل القرن التاسع عشر؛ وقد استبطنت تجارب سابقة عرفها تاريخ الأمة, حتى أصبحت ثقافة عامة ينهل منها وينشأ على أدبياتها أجيال من أهل العلم, فالشيخ الألباني –رحمه الله- امتداد لهذه الحركة العلمية لا ابتداء فيها, ومن عرف صفات الشيخ الشخصية والنفسية عرف لماذا تميز عن غيره, وقد كانت له نظرة خاصة تموضعت في إحياء السنة النبوية وتقديمها للأمة مهذبة نقية, وأنت إذا حاكمت الشيخ لتلك النزعة وجدته منسجما معها, وهذا الذي يفسر لك ما صدر عن الشيخ من آثار علمية, تراها كلها في سياق الإصلاح المجتمعي, وهذا مسلك إصلاحي معروف, فمن مؤلفات الشيخ –رحمه الله- الواردة في هذا السياق :" سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها ", و " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة", و " جلباب المرأة المسلمة ", و " أحكام الجنائز وبدعها", و تخريج أحاديث مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام ", و" التوسل وأنواعه وأحكامه ", و " وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ", و " وتحريم آلات الطرب ", وغيرها كثير من كتب الشيخ ومؤلفاته الواردة في ذات السياق, والمتقرر أن تحقيق هذه النزعة يتطلب قدرا من الاجتهاد والبحث, ولا شك أن هذا الاجتهاد كغيره يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب, وما زال العلم يحمل في طياته وأدبياته أهله أصولا وقواعد تُحاكم إليها هذه الاجتهادات, كل هذا, وحفظ مكانة العلماء وتنزيلهم منزلتهم شرط لازم لكل من انتسب لهذا العلم وسار في طريق أهله.
 
  • آثار النهضة :
أثمرت جهود العلماء التي تقدم ذكرها في وجود نهضة علمية خصوصا في العناية بالأصلين, فانتشرت الكليات الشرعية في أنحاء العالم الإسلامي, وظهرت أنواع من التخصصات الدقيقة في العلوم الشرعية عموما وعلوم القرآن والسنة النبوية على سبيل الخصوص, ومن آثار النهضة العلمية, تحقيق كتب التراث في مختلف العلوم الشرعية, حيث مثلت رافدا مهما للحركة العلمية, ومن آثارها كذلك, ظهور أنواع من التصنيف في مختلف العلوم الشرعية, والتي جاءت على سبيل إصلاح المجتمع وتحقيق المسائل العلمية المتعلقة بذلك, ومن الآثار كذلك, ظهور مسالك تفقه تعتمد النصوص المباشرة, وتتجاوز الخلاف القائم وهو ما يعرف بالتفقه الأصيل, وعليه خرّجت كثير من المسائل المعاصرة, ومن آثار النهضة محاولة الكشف عن مناهج الأئمة في أنواع العلوم وهو أمر جليل, يعين أيما إعانة على استمرار هذه العلوم من خلال السير على طريقة أصحابها, وهذا يتطلب بطبيعة الحال اعتبار المراحل التي مر بها العلم وطرائق العلماء في الكشف عنها.
 
  • النهضة ومشكلة الاستمرار
ما تقدم ذكره يأتي في السياق التاريخي للنهضة ووصف المراحل التي مرّت بها, وفي المحصلة هي جهود علماء وإجابات واقعية تعالج النوازل والأحداث, وحالها حال المسائل العلمية والظواهر الاجتماعية, تلحقها الآفات التي ترد على صنع الإنسان من حيث هو إنسان, يحتمل فعله الخطأ كما يحتمل الصواب, وعليه؛ فمن تأمل في النهضة الحديثية رأى فيها جملة من الأخطاء التي تحتاج إلى علاج, وللوصول إلى هذا لا بد من تقرير أصل مهم, وهو أن لعلم الحديث مقاصد جليلة تبدأ من تمييز السنن, والذي هو ركيزة العمل بها, حيث يعد هذا التمييز من المعينات على التكليف والقيام بأمر الله سبحانه, وفي سبيل تحقيق هذا المقصد بذل أهل العلم جهودا كبيرة لا يعرف التاريخ لها مثالا, وعليه بنيت بقية المقاصد, منها: مقصد حفظ السنة النبوية, وهذا اقتضى من أهل العلم اتخاذ وسائل كثيرة, كالتدوين والتصنيف وما يتعلق بهما من أحكام وآداب, وقد تميزت العملية الحديثية على مرّ تاريخها بالواقعية والبعد عن الافتراض, وما ذلك إلا لتعلقها من حيث الأصل بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله, فهي تتعامل مع أمر موجود, وهذا بطبيعة الحال انعكس على مناهج البحث فيها وعلى بواعث البحث ودوافعه, فجاءت منسجمة مع مقاصد علم الحديث الأولى, وأي عمل في باب التصنيف أو التأليف أو البحث يخرج عن هذه المقاصد المتقدمة فهو من الأخطاء التي يجب أن تعالج, من ذلك في مجال الدراسات الحديثية في وقتنا؛ الإغراق في تفاصيل قليلة الفائدة لا ينبني عليها عمل, وقد أعان على مثل هذا اشتراط الابتكار في الدراسات الحديثية مع ضعف التحصيل العلمي, وفي المقابل ظهر ضعف الإبداع في مجال الدراسات الحديثية, فإذا نظرنا إلى نوع الدراسات سنجد أنها بعيدة عن الواقع في كثير من مضامينها, ومع هذا ففي برامج المؤتمرات والندوات اليوم نوع استجابة لمطالب واقعية إلا أنها تحتاج إلى مزيد جهد, وفي مجال الكشف عن مناهج الأئمة ظهرت جملة من الأخطاء, من ذلك : تجزئة الدراسات بما يوحي تعدد مناهج الأئمة فيقال مثلا منهج الإمام البخاري أو منهج الإمام مسلم, وغالبا ما تخرج النتائج بتفردات لا تنسجم مع المنهج العام لأهل الحديث والذي هو في الأصل منهج واحد, وإنما يحصل الاختلاف في بعض التفاصيل, أو في فروع المسائل, ومن هذا الباب إفراد الأمصار بدراسات توحي باستقلالها وتفردها, على أن هذا التفرد إن وجد سواء عند الأفراد أو الأمصار لا يمثل مذهبا أو منهجا عاما مستقلا, بل هي أفراد مسائل, ومن هذا الباب – أعني كشف مناهج الأئمة- محاولة قراءة تراث علماء الحديث المتقدمين للوقوف على مناهج وطرائق الحكم عندهم, وهي التي عرفت بمسألة " المتقدمين والمتأخرين " ويمكن تقريب صورتها بأنها :" إشكالية علمية حديثية, تقوم على تقويم التغيير الطارئ على علم الحديث, وتتخذ من المدرسة الحديثية في القرون الثلاثة الأولى متكأ لها ", هذا هو تصوير المسألة, ويمكن أن نحددها بثلاث ركائز تضبط معناها, على النحو الآتي :
  • الركيزة الأولى : الانطلاق من المدرسة الحديثية في القرون الثلاثة الأولى, وعلى هذا المرتكز ترد جملة من الإشكالات, فما هي حدود مدرسة المتقدمين ؟ وهل هي حدود زمنية أم منهجية ؟ ومن نظر في كلام أهل العلم حول هذه المسألة وقف على اختلاف كبير في إجابات هذه الأسئلة بما يجعلها تفتقد إلى الوضوح في حدودها كما سيأتي, وإذا كان المرجع منهجي, فما هو المنهج الذي يحكم به على العالم ؟! وما هي الكتب التي يرجع إليها في تحديد وبيان منهج المتقدمين والمتأخرين ؟
  • وأما الركيزة الثانية : فهي ملاحظة التغيير الطارئ على المدرسة الحديثية عند المتأخرين , وهذا المرتكز ترد عليه إشكالات مهمة, منها, ما هي آليات الحكم على التغيير الطارئ ؟ أو ما هي المعايير التي يحكم من خلالها ؟ وما هو مقدار التغيير الحاصل ؟ وأول ما يوقف عليه بعد هذه الأسئلة هو ضعف الفصل الحديّ, ومن الإشكالات كذلك السؤال عن طبيعة المسائل التي يمكن أن تعد خارجة عن علوم المتقدمين ؟ وهل هي خارجة خروجا كليا أو في جزء منها ؟ وأصل هذه الإشكالات أن العلم يحتاج إلى ضبط لا يحتمل ما تكتنزه هذه المسألة من عموميات قد تأتي على حقيقتها.
ومما يرد على هذا المرتكز أن طبيعة التقسيم من حيث هو يقتضي تمييز أحد القسمين عن الآخر, وهذا يتطلب وجود شروط وحدود تميزه, ما يعني وجود ما لم يوجد مسبقا, وعند النظر نجد غالب ما يجعل مميزا لا يكفي لوضع الحدود بين مدرستين أو التأسيس لمنهجين.
  • وأما المرتكز الثالث : فهو ادعاء أن ما عليه من فروق هو الذي كان عليه أهل الحديث, وهذا المرتكز كالذي سبق ترد عليه جملة من الإشكالات, من ذلك, الاختلاف الحاصل بين من يرى التفريق حيث اختلفوا في الحكم على عدد من المسائل في سياقات متعددة قد تصل إلى إثبات شيء أو نفيه, وهذا بطبيعة الحال له أسباب, ومما يرد على هذا المرتكز, هو تنزيل علم الحديث منزلة العلوم الأخرى كعلم الاعتقاد مثلا, من غير إدراك لخصوصية علم الحديث وضعف تأثره بالعلوم الأخرى كالفلسفة والمنطق.
وبعيدا عن تفاصيل هذه المسألة, فإن الملاحظ أن ثمرتها ضعيفة في مجال الإبداع, فضلا عن ضعف مساهمتها في باب الرفد الحضاري وتعزيز النهضة, بل إن الخوض فيها وفق أدبيات المختلفين اليوم أسهم بصورة مباشرة في صرف جهود وطاقات كثير من أهل الاختصاص, ولو وضعت في ميزان المقاصد الحديثية لظهر ضعف المقاصدية في مثل هذه المسألة, ولو تجاوزنا بعض الإبداعات كالتي وجدت في أدبيات الخائضين فيها, فهي في حقيقتها لا تخرج عما قرره علماء الحديث, ومن عرف تدوين العلم –أيا كان- عرف أنه يتوجه عادة إلى الأصول والقواعد, وقد تفوت بعض الفروع أو تترك لاشتهارها, وإلا فإن أحكامها مندرجة غالبا في أصول العلم وقواعده.
وفي الختام؛ سيبقى علم الحديث الركيزة الأولى في التأسيس للنهضة العلمية والحضارية, لما يمثله من أهمية تتعلق بوحي الله سبحانه إلى الناس, وسيبقى المنطلق الأول للمصلحين في سعيهم للإصلاح المجتمعي, شريطة أن يحافظ على مقاصده الأولى التي وجد من أجلها, وهو واجب أهل العلم على مرّ التاريخ.
د.عصر النصر

مقالات للكاتب

مجلس السماع بالسند المتصل لكتاب:  "كشف المغطا في فضل الموطأ"  

05/12/2018

يسر جمعية الحديث الشريف وإحياء التراث أن تعلن عن عقد مجلس السماع بالسند المتصل لكتاب:  "كشف المغطا في فضل الموطأ"    للحافظ ابن عساكر رحمه الله يقدمها...

تابع القراءة

حديث اليوم

04/12/2018

روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة ...

تابع القراءة

مِن نور النبوة.. مأساة البحر المَيِّت دروس وعبر (3)

04/12/2018

إنَّ أغلب ما بلغنا من خلال وسائل الإعلام بخصوص تلك المكافأت كان لمن وفقه الله لنجدة إخوانه- ولا شك أنَّها أرزاق قدرها الله وساقها لأصحابها ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه مِن حيث لا يحتسب ونسأله تعالى أن يبارك لهم فيها- ولكن هل يتنَبَّه إخواننا الذين أنعم الله عليهم بالغنى لتلك العائلات التي فقدت مُعيلها خلال تلك الأحداث ويتكفلوا بأُسَرِهم محتسبين الأجر عند الله؟؟

تابع القراءة